مقالات

الخاسرون والرابحون في لحظة غزة الدامية

د. منذر الحوارات

الجميع يتسمر أمام الشاشات يبحثون عن جواب للسؤال الأهم هل تصمد حماس وهل هي قادرة على الانتصار؟ هذا هو سؤال اللحظة والمشكلة أنه لا توجد إجابات شافية وأغلب من يتصدون للإجابة يراوحون بين اتجاهين: الأول شديد التفاؤل، والثاني مُغرق في اليأس، وأغلب الإجابات افتراضية لا تستند إلى الكثير من المعلومات، فالحرب النفسية التي يشنها كل طرف على الآخر تجعل من الصعب رسم سيناريو واضح، ولأن أغلب العرب يريدون أن يتوقف الزمن عند لحظة السابع من أكتوبر فهذه هي لحظة انكسار العدو الذي تمرّس على هزيمتهم خلال العقود الماضية، لذلك فالجميع يصر على أن تستمر هذه اللحظة وأن لا تطيح بها آلة الدمار الإسرائيلية.

أما بالنسبة لإسرائيل فالوضع مختلف تماماً فهي لا تريد أبداً تذكر حجم الصفعة والإهانة التي تلقتها من حماس، فمهما كانت قوة حماس فهي لا تتعدى بضعة من عشرات آلاف المقاتلين بأسلحة مهما تطورت فهي محدودة أمام ما لديها، وميزانية لا تتجاوز بضعة عشرات الملايين مقابل مليارات الدولارات هذا غير الدعم القادم من الغرب، هذه القوة الصغيرة تمكنت وبكل جسارة من الإطاحة عسكرياً ومعنوياً بمارد اقتصادي وعسكري تغنّى دوماً بأن لا أحد يستطيع أن يطأ ساحته وكان دوماً مصدر رعب وهيبة للجميع، لكن كل ذلك تراجع بعد السابع من أكتوبر، لقد أصابها العطب الإستراتيجي لبعض الوقت من هول المفاجأة ولم تعد تعرف ماذا تريد بالضبط، هل تريد تدمير حماس؟ أم إبادة الغزيين وتهجيرهم؟ بل وتراودها رغبة أن تمحو غزة عن الوجود وذهبت أبعد من ذلك وكشفت عن أحلام مبيتة لتصفية القضية الفلسطينية؟ طبعاً لا يمكن إخفاء رغبة إسرائيل ونيتها توسيع الحرب أملاً بالخلاص من كل أعدائها دفعةً واحدة؟ هذه أجندات إسرائيل المطروحة في هذه المرحلة وهي مثل العربي الذي تمنى أن تتوقف اللحظة، تتمنى أن تحقق كل هذه الأهداف طالما أنها تحظى بدعم الولايات المتحدة والدول الغربية فما المانع إذًا؟.

لذلك لم تتردد إسرائيل في استخدام أوراقها كاملة من حصار وقتل وتدمير للبنية التحتية وإعادتها وهي أصلًا متهالكة عشرات السنين إلى الوراء، للحد الذي تجاوزت حصيلة الشهداء الثمانية آلاف جُلهم من الأطفال والنساء وكبار السن، كل هذا حصل أمام مسمع ومرأى العالم والذي لبس عيون دولة الاحتلال وبدأ يرى ويفكر بعقلها وأثبت المجتمع الدولي بكل إمكاناته أنه رهينة للموقف الأميركي، ولا يستطيع اتخاذ أي قرار قد يغضب الولايات المتحدة الشريكة الرئيسة في كل هذا القتل والتدمير، واستطاعت هذه الأخيرة تعطيل عمل كل المؤسسات الدولية لمصلحة إسرائيل، أما العرب فقد ربطوا موقفهم من حماس بموقف الأخيرة من إيران أولاً وكونها جزءا من التيار الإسلامي الذي بينها وبينه خصومات كثيرة، رغم أن هذه الأطراف العربية كان يمكن لها أن تنظر لحماس من زاوية أخرى تمكنها من تجاوز عدائها التقليدي لها، لكنها لم تفعل إما لأنها لا تريد أو أنها لا تستطيع بسبب إكراهات لا نعرفها.

وكالعادة خسر العرب اللحظة الإستراتيجية وحلت مكانهم إيران بصفتها ناطقاً باسم المقاومة مستغلة عدم رغبة حماس في ترجمة النصر العسكري إلى واقع على الطاولة، فقامت إيران بدون تردد باستثمار الانتصار وتحويله إلى مكاسب سياسية بحجة الرشد الإستراتيجي الذي تمتعت به بمنعها الحرب من التوسع، وعلى الجانب الآخر أدرك أردوغان بعد صمت طويل أن اللحظة قد حانت لترجمة نصر حماس إلى مكسب سياسي له، وفي الحال طرح الصراع بين الهلال والصليب، وهو هنا وبدون تردد يقدم نفسه قائداً لمعسكر الهلال وبالتالي الطرف المعني بالجلوس على الطاولة وحصد المكاسب.

هذه المعادلة ستخرج العرب وربما الغزيين وكل الفلسطينيين من الحلبة، ونكون بالتالي قد حصدنا ثمن خلافاتنا ولم نستفد من انتصار المقاومة، وهذه أيضاً ستدفع ثمن طهريتها وعدم تحويلها النصر العسكري إلى مكسب سياسي رغم أنها مع الغزيين دفعت حصتها من الدم والشهادة لكنها ستكون خارج حلبة المنافسة على المكاسب لأن آخرين تقمصوا دور البطولة واستنفدوا كل مكاسب اللحظة الدامية والمدمّرة.

“الغد”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى