
تعكس المؤشرات النقدية في الأردن خلال عام 2025 حالة من الاستقرار والثقة، تقودها مستويات مرتفعة من الاحتياطيات الأجنبية تجاوزت معايير الكفاية المستهدفة، فوصول مؤشر كفاية الاحتياطيات الأجنبية إلى 115% مقارنة بتوقعات صندوق النقد الدولي البالغة 111% يدل على متانة اقتصادية وقدرة البنك المركزي على إدارة المخاطر الخارجية بكفاءة. طبعاً هذا المستوى لا يعكس فقط “وفرة في النقد الأجنبي”، بل يعكس أيضاً مصداقية إطار السياسة النقدية واستقرار توقعات المتعاملين مع الاقتصاد.
إجمالي الاحتياطيات الأجنبية البالغ 24.5 مليار دولار، وتغطيتها للمستوردات لمدة 8.8 أشهر، يضع الأردن ضمن الشريحة الآمنة للدول المستوردة للنفط، ويمنح الاقتصاد قدرة أكبر على امتصاص تقلبات أسعار الطاقة وتشديد الأوضاع المالية العالمية. إن استقرار هذا المستوى على المدى المتوسط يشير إلى أن تدفقات العملات الأجنبية ليست حالة ظرفية، بقدرما هي حالة مدعومة بعوامل هيكلية تتعلق بالتحويلات وتحسن نسب الاستثمار الاجنبي والتمويل الخارجي.
هذا الاستقرار النقدي انعكس مباشرة على سلوك المتعاملين بالعملة المحلية، حيث انخفض معدل الدولرة إلى 17.8% في عام 2025، وهو مستوى يعكس ارتفاع جاذبية الدينارالأردني كأداة ادخار، فانخفاض الدولرة في اقتصاد مفتوح نسبياً يعد مؤشراً حساساً على الثقة، إذ يدل على تراجع المخاوف المرتبطة بسعر الصرف وتآكل القوة الشرائية، ويعزز فعالية السياسة النقدية في توجيه الائتمان والسيولة.
ثقة الأسواق لم تقتصر على الداخل، بل ظهرت بوضوح في أداء أدوات الدين السيادي في الأسواق الدولية. انخفاض عوائد سندات اليوروبوند الأردنية المتداولة، وتراجع الهوامش مقارنة بالدول الناشئة، يشير إلى تحسن تقييم المخاطر السيادية للأردن. لكن الأهم أن الفارق بين سندات اليوروبوند الأردنية وسندات الخزانة الأميركية يُعد من الأدنى على مستوى المنطقة، ما يعكس قراءة إيجابية للملاءة المالية والانضباط المالي.
كما أن الانخفاض الملموس في العائد الحالي على سندات اليوروبوند مقارنة بعائد الإصدار البالغ 7.75% لسندات تستحق في عام 2029 يعكس تحولاً في مزاج المستثمرين من الحذر إلى الثقة النسبية مع الاخذ بعين الاعتبار بإنخفاضات تلك النسب على مستوى العالم. لكن هذا التحسن لا يرتبط فقط بالظروف العالمية، بل يعكس أيضاً تقديراً متزايداً لقدرة الاقتصاد الأردني على الوفاء بالتزاماته ضمن مسار مالي قابل للاستدامة.
في الداخل، لعب القطاع المصرفي دوراً محورياً في دعم النشاط الاقتصادي وتوفير التمويل لمختلف القطاعات. فوصول رصيد التسهيلات الممنوحة للشركات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة إلى 3.4 مليار دينار حتى منتصف 2025 يعكس توسعاً في التمويل الإنتاجي، وهو عنصر أساسي في دعم النمو وخلق فرص العمل. في الوقت ذاته، بلغ إجمالي التسهيلات الائتمانية 36.1 مليار دينار في تشرين الأول 2025، ما يدل على قدرة الجهاز المصرفي على تلبية احتياجات الاقتصاد دون ضغوط سيولة.
نقطة أخرى مهمة تتعلق بارتفاع الودائع لدى البنوك بالتوازي مع انخفاض الهامش بين سعر فائدة الإقراض وسعر فائدة الإيداع إلى 2.64 يعكس كفاءة أعلى في الوساطة المالية وثقة متزايدة بالجهاز المصرفي. كما أن تقلص هذا الهامش يشير إلى تحسن إدارة المخاطر وتراجع كلفة التمويل، وهو ما ينعكس إيجاباً على الاستثمار والقدرة التنافسية للقطاع الخاص.
مؤشرات السياسة النقدية مجتمعة تُظهر صورة متماسكة لاقتصاد يتمتع باستقرار نقدي، وثقة داخلية وخارجية، وجهاز مصرفي قادر على دعم النشاط الاقتصادي. لكن التحدي في المرحلة المقبلة لا يكمن في الحفاظ على هذه المكتسبات فقط والتي يديرها ببراعة البنك المركزي، بل في ترجمتها إلى نمو أعلى وأكثر شمولاً من خلال القرارات الحكومية، بحيث تتحول قوة المؤشرات المالية إلى نتائج ملموسة على مستوى الإنتاج والتشغيل والدخل.
الرأي



