"\n"
عربي ودوليفرعي

تقارير حقوقية وأممية: الظلام في غزة.. سياسة ممنهجة

أردني – منذ بداية حرب الإبادة على قطاع غزة، لم يعد انقطاع الكهرباء أزمة مؤقتة أو جدول تقنين يمكن التكيف معه، بل تحوّل إلى واقع دائم عنوانه “الظلام الكامل”، فلا تيار كهربائي يصل إلى المنازل، ولا ساعات إنارة يمكن البناء عليها، ما أجبر السكان على إعادة تشكيل حياتهم بالكامل في غياب تام لمصدر الطاقة الأساسي.

في هذا الواقع، لم يعد الحديث عن “يوم بلا كهرباء” استثناءً، بل هو القاعدة اليومية التي يعيشها أكثر من مليوني إنسان، حيث تُدار تفاصيل الحياة على بقايا شحن البطاريات المهترئة، بدائل أخرى انقرضت في كل بلاد العالم.

يوم يبدأ وينتهي في الظلام

“أم أحمد”، التي تعيش في منطقة المخيم الجديد شمال مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، تصف يومها قائلة: “ما في كهرباء نهائي من بداية الحرب، لقد تغير كل شيء، بنصحى وننام على العتمة”.

وتؤكد أن الأجهزة الكهربائية الموجودة في منزلها تحولت لمجموعة من “خردة الحديد”، غير المستخدمة، “الثلاجة ما عادت تشتغل، فصرنا نشتري كميات قليلة من الطعام، الغسيل يدوي، وكل شيء رجع مثل زمان، لكن في ظل ظروف أصعب وأقسى كثيرا”.

وبضحكة مليئة بالحسرة والقهر: “كانت جداتنا ومن يكبرننا في العمر من النساء يحسدننا على حياتنا السهلة، واليوم عدنا إلى ما قبل ولادتهن، كل شيء تغير وأصبحت حياة لا ترحم”.

أما أبو محمد فأشار، إلى تأثير الانقطاع الكامل للكهرباء على مسار تعليم أطفاله، فقال:” أطفالي مضطرون للدراسة على ضوء الشمس فقط، فإذا غابت الشمس للظروف الجوية خاصة في فصل الشتاء تتوقف دراستهم، لأن الدراسة على اللدات والشموع عملية صعبة وما عاد بالإمكان احتمالها سواء من الأهل أو الأطفال”.

طبيبة المستقبل الطالبة الجامعية سارة، التي تواجه صعوبة بالغة في مواصلة تعليمها، قالت: “الدراسة صارت صعبة جدا، لا إنارة كافية ولا إمكانية لشحن الأجهزة أو متابعة أي مواد تعليمية”.

وقصة الشاب محمود، كانت أشد صعوبة ومأساوية، فقد خسر مصدر رزقه عبر العمل الحر عبر الإنترنت

وقال: “خسرت عملي بشكل كامل بعدما انقطعت عن عملائي الذين أعمل معهم منذ سنوات طويلة، فقد بت بدون كهرباء أو إنترنت مستقر، وأصبحت إمكانية العودة للعمل شبه مستحيلة”.

ويؤكد أن غياب الكهرباء طوال فترة الحرب على غزة حتى الآن جعله يخسر شبكة علاقات سهر سنوات طويلة من أجل تشكيلها لتكون رافدا أساسيا لعمله عبر الانترنت، وقال: “انتهى كل شيء ومن الصعب العودة للوضع السابق في هذا الواقع السيء”.

المعاناة ليست فيما سبق فقط، فحتى أبسط الأمور أصبحت معركة يومية يخوضها المواطنون في قطاع غزة، مثل شحن الهواتف والبطاريات شبه التالفة، حيث يضطر المواطنون للبحث عن نقاط شحن محدودة تعمل عبر مولدات أو طاقة شمسية، وغالبًا مقابل تكلفة مرتفعة.

الظلام في غزة.. سياسة ممنهجة

وتشير تقارير حقوقية وأممية إلى أن أزمة الكهرباء في قطاع غزة لا ترتبط فقط بتدمير البنية التحتية، بل بسياسة ممنهجة تقوم على منع إدخال مصادر الطاقة، بما في ذلك الوقود وبدائل الطاقة مثل الألواح الشمسية والبطاريات، إلى جانب استهداف ما هو متوفر منها.

ووصفت مؤسسات حقوقية ذلك بأنه حرمان متعمد من الطاقة، في وقت دعت فيه وكالات أممية إلى السماح بإدخال هذه البدائل بشكل عاجل لتفادي انهيار الخدمات الأساسية.

ففي وقت سابق، أكد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن الاحتلال استخدم قطع الكهرباء، ومنع إدخال الوقود، كأدوات مباشرة لحرمان السكان من الطاقة بشكل ممنهج.

وأوضح المركز الحقوقي أن منع إعادة تشغيل محطة توليد الكهرباء في غزة وإدخال بدائل الطاقة يأتي ضمن سياسة إسرائيلية تهدف إلى “تقويض مقومات الحياة” في قطاع غزة.

وكالة “أونروا” دعت الاحتلال الصهيوني في أكثر من مناسبة سابقة إلى السماح بإدخال البطاريات والألواح الشمسية؛ لاستخدامها في التدفئة وتشغيل المرافق الأساسية، وهي دعوات لم تلق آذانا صاغية، ما يؤكد وفق مراقبين تعمد الاحتلال إغراق غزة في الظلام ومنع أي محاولات لتغيير ذلك الواقع بأي حلول بديلة.

وفي بيانات متعددة، أكّد المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة أن اتفاق وقف إطلاق النار والبروتوكول الإنساني المصاحب له نصّا على إدخال شاحنات مساعدات تضم الوقود والمولدات الكهربائية وقطع غيارها، بالإضافة إلى ألواح الطاقة الشمسية والبطاريات لتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان بعد تدمير البنية التحتية للطاقة.

في المقابل، أشار إلى أن واقع التنفيذ يختلف عن النصوص المتفق عليها، حيث يستمر الاحتلال في منع إدخال هذه المواد الحيوية بشكل كامل أو شبه كامل، ما يسهم في استمرار أزمة الكهرباء وحرمان السكان من مصادر بديلة للطاقة.

وأوضح أن ما يدخل من مساعدات يقتصر غالبا على سلع غذائية ثانوية، في حين المولدات الكهربائية ومواد الطاقة الشمسية والبطاريات بقيت “محظورة” ولم تدخل إلى القطاع كما هو منصوص عليه في جهود الإغاثة.

وأكد المكتب الإعلامي أن استمرار القيود على إدخال الوقود وقطع الغيار اللازمة لتشغيل المولدات واستخدام مصادر بديلة يمثل انتهاكًا متعمدا، ويعرّض الخدمات الأساسية للخطر في ظل استمرار الحصار والمماطلة في تنفيذ البنود الإنسانية للاتفاق

ومما سبق يتأكد أن الظلام المستمر في قطاع غزة لا يعكس فقط انقطاع الكهرباء، بل استراتيجية مقصودة وسياسة صهيونية ممنهجة تهدف إلى حرمان السكان من أبسط مقومات الحياة.

فاستمرار منع إدخال الوقود والمولدات والألواح الشمسية يثبت أن الأزمة ليست عشوائية، بل جزء من حملة منهجية لإرباك الحياة اليومية وإضعاف صمود المدنيين.

وفي ظل هذا الواقع تغدو كل شمعة مضاءة أو بطارية مشحونة رمزا للصمود، بينما يبقى النور الحقيقي رهينة القرار الصهيوني الذي يتحكم في المعابر، ويفرض الظلام على أكثر من مليوني إنسان منذ بداية الحرب وسط صمت عالمي ومباركة أمريكية دائمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى