
أردني – تكاملت أجهزة الأردن في مواجهة تأثيرات الحرب الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية ونجحت خلال 40 يومًا وحتى وقفها لمدة اسبوعين من حماية الأردنيين من شظايا الصَّواريخ والمسيرات التي استهدفت مراكز حيوية في الأردن، وأدامت سلاسل التوريد وأدارت مخزونها في الطَّاقة والصناعة والغذاء بشكل استراتيجي، ومنعت استغلال الأزمة لرفع الأسعار وتحمَّلت كُلف الانتاج والتدرج في التعامل مع الارتفاع العالمي لعدد من مصادر الطاقة.
خلال 40 يومًا من الحرب استطاعت الأردن من التعامل بعمق مع الأزمة وقف فيها المخزون الاستراتيجي، الغذائي والدوائي، كخط دفاع غير مرئي، ومنح الدولة القدرة على التعامل والمناورة مع أي اضطرابات في سلاسل التزويد دون أن تنعكس على حياة الناس، فالأمن الغذائي والدوائي جزء من مفهوم الأمن الوطني الشامل.
ورصدت وكالة الأنباء الأردنية (بترا) العديد من الاجراءات التي اتخذها الاردن ثبت من خلالها أن نجاح الدول لا يقاس بعد الحروب بقدرتها على تجاوز لحظة الخطر فحسب، بل بمدى قدرتها على منع آثارها من التمدد داخل المجتمع، فاستمرار الحياة بسلاسة، واستقرار الأسواق، كلها تعكس حقيقة واحدة أن قيادة الأردن نجحت في تحويل التحدي إلى حالة استقرار مستدام، لا يشعر بها المواطن إلا من خلال غياب الأزمات، لا حضورها.
وتدرجت إدارة الأردن للأزمة بدءا من التوجيهات الملكية السامية والتي استمرت على مدار الساعة بوضع الحلول وتخفيف الآثار الكبيرة وحماية الاقتصاد الوطني وتوفير كل ما يلزم للتعامل مع الأحداث، وترأس خلالها جلالة الملك عبدالله الثاني عدة اجتماعات مع الأطراف المعنية وزار القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي ومديرية الأمن العام وسلاح الجو الملكي وعقد اجتماعات في المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات ونتج عن ذلك تكامل العمل بشكل مؤسسي كامل.
وتابع سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد عمل كثير من القطاعات وزار وزارة الداخلية والملكية الأردنية وعدد من المؤسسات المعنية وأعطى توجيهاته للتعامل مع تأثيرات الأزمة التي تمر بها المنطقة والعالم، وزار برفقة جلالة الملك عبد الله الثاني القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية ومديرية الامن العام لتمر الأزمة حتى الآن بأقل الأضرار على الأردن والأردنيين.
وأدارت الحكومة على مدار الأربعين يومًا الأزمة ملتفتة لأدق التفاصيل واتخذت اجراءات وقرارات كان من بينها إدامة عمل الكهرباء وتحمل كلف ارتفاع المشتقات النفطية وتدريجها على المستهلكين بعيدًا عن الأثر الكبير النَّاجم عن الأزمة، ولم تنقطع الكهرباء، وبقي التعليم في المدارس والجامعات وجاهيًا واستمر قطاع الصحة يعمل بكفاءة عالية وحاربت أي تفكير باستغلال حاجة المواطنين ومنعت الاحتكار وكثفت رقابتها على الأسواق، وتدفقت المعلومات أولًا بأول لمنع اختطاف الرأي العام بالتضليل والإشاعات.
وقدَّمت القوات المسلحة الأردنية وقوات حرس الحدود درسا في حماية الأوطان بعد أن واجهت المخدرات والمسيرات والصواريخ والمتسللين والبالونات الموجهة عن بعد ولم تتوقف لحظة واحدة عن منع الخطر القادم من الحدود الجوية لسماء المملكة والبرية من كل الجهات، واستطاعت بدقة عالية اسقاط كل الأجسام الخطرة والمعتدية بعيدا عن أماكن تجمع الأردنيين ومصالحهم.
وقال مدير مركز الرَّأي للأبحاث والدراسات الدكتور صلاح العبّادي إن الحرب الأمريكيّة الإسرائيليّة الإبرانيّة شكّلت اختبارا مهما للأسواق العربيّة لتمكينها من القدرة من توفير السلع والمواد الغذائية وضمان انسيابية سلاسل التوري، لافتًا إلى أنَّ الحكومة الأردنيّة تمكنت من ترجمة رؤية جلالة الملك عبد الله الثاني وحرصه على توفير المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية للمواطنين منذ جائحة كورونا، وحتى الوقت الحالي وهو الأمر الذي شكّل تمرينا مهما للحكومة ونجحت به بشكل كبير ومهم عزَّز ثقة الأردنيين بقيادته على كل المستويات.
وأضاف أن رؤية جلالة الملك وتوجيهاته للحكومات ركزت على تأمين المخزون الاستراتيجي، وضمان تدفق السلع الأساسية، وإدارة الأسعار للحد من التضخم والمضاربات، لافتًا إلى أن الحكومة اتخذت إجراءات استباقية منذ سنوات لتعزيز المخزون الاستراتيجي من الغذاء والأدوية لضمان استقراره لفترات طويلة؛ وهو الأمر الذي له أهميّة كبيرة على صعيد الأمن الغذائي الأردني.
وبين بأنّه يسجّل للحكومة إدارة الأزمة من خلال تفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص لضمان وصول السلع الأساسية للمستهلكين بانتظام، دون ان يكون للحرب أي تداعيات على السوق المحلية مضيفًا أن ضمان انسيابية توفير السلع والمواد الأساسية للمواطنين يرجع إلى الجهود تبذلها جميع المؤسسات والأجهزة لضمان سلامة الأردنيين والدفاع عن الوطن، وإدامة التنسيق بين المعنيين في القطاعات الاقتصادية والحيوية المهمّة.
الباحث الأول في معهد السياسة والمجتمع المهندس حسين الصرايرة قال إنَّه وفي اليوم التالي للحرب، محلياً وعلى مستوى الدولة، لا تبدأ مرحلة الهدوء بقدر ما تبدأ مرحلة أكثر دقة وحساسية، تُختبر فيها قدرة الدولة على إعادة تثبيت إيقاع الحياة اليومية ومنع آثار التوتر من التسلل إلى الداخل، وفي هذه اللحظة، لا يكون التحدي في مواجهة الخطر المباشر، الذي برع الجيش العربي في التصدي لها، وإنما في إدارة ما بعده فالحفاظ على الاستقرار، وضمان استمرارية الخدمات، وتعزيز ثقة المواطنين بالدولة وما بذلته من اجراءات احترازية للتعامل مع التحديات المختلفة وأهمها الاقتصادية.
وأضاف برز الدور المحوري للدولة كضامن للحياة اليومية، حيث يصبح استمرار عمل القطاعات المختلفة، وانتظام الخدمات الأساسية، مؤشراً حقيقياً على نجاحها في امتصاص الصدمة بالمحيط. فالحياة الطبيعية لا تعود تلقائياً بعد الأزمات، بل تُدار عبر جاهزية مؤسسية وتنسيق عالٍ بين مختلف القطاعات.
وبين أنذَ مفهوم الأمن تحول من مجرد الردع إلى بناء الطمأنينة العامة، من خلال الحفاظ على الجاهزية ومنع أي ارتدادات محتملة، بالتوازي مع التواصل الواضح مع المواطنين، فالثقة، في هذه المرحلة، لا تقل أهمية عن الإجراءات الميدانية، بل تشكل أحد أعمدة الاستقرار.
وبين أنه وعلى المستوى الاقتصادي فإنَّ الدولة واجهت اختباراً دقيقاً في ضبط الأسواق، عبر ضمان توفر السلع الأساسية ومنع أي ارتفاع غير مبرر في الأسعار، في ظل احتمالات المضاربة أو الاحتكار. ويُعد نجاحها في هذه المعادلة مؤشراً مباشراً على قدرتها في حماية الاستقرار المعيشي للمواطنين.
وبين أن نجاح الدول لا يُقاس بعد الحروب بقدرتها على تجاوز لحظة الخطر فحسب، بل بمدى قدرتها على منع آثارها من التمدد داخل المجتمع، فاستمرار الحياة بسلاسة، واستقرار الأسواق، كلها تعكس حقيقة واحدة أن الدولة نجحت في تحويل التحدي إلى حالة استقرار مستدام، لا يشعر بها المواطن إلا من خلال غياب الأزمات، لا حضورها.



