"\n"
رياضة

ثلاثي الفتوات والقائد الغاضب.. قنابل موقوتة تنتظر أربيلوا

أردني – لم يكن مصطلح “الفتوة”، في الأدب المصري، وخصوصًا لدى نجيب محفوظ، مجرد توصيف جسدي أو اجتماعي، بل كان إسقاطًا معبرًا عن السلطة الكاملة غير الرسمية، التي تحكم الحارة المصرية في عصر الحكم الملكي.

وفي ثلاثية محفوظ الشهيرة، وروايات مثل الحرافيش، قدم الفتوة بوصفه الحاكم غير المعلن للحارة، ذاك الذي لا يحمل صكًا رسميًا، لكنه يمتلك النفوذ الحقيقي، ويُطاع أمره أكثر من البوليس نفسه.

فالفتوة لا يحتاج للصراخ كي يُسمع، ولا للقرار المكتوب كي يُنفذ، فسلطته كامنة في الخوف، والهيبة، وتواطؤ المحيط.

وإذا كان محفوظ قد وثّق هذه الظاهرة في حارات القاهرة، فإن ريال مدريد عاش نسخته الحديثة من “حكم الفتوات” داخل غرفة الملابس خلال عهد تشابي ألونسو، حيث لم يكن المدرب هو صاحب القرار الأوحد، بل كان محاطًا بثلاثي امتلك النفوذ، ومعهم قائد غاضب يقف على الحافة.

مبابي.. فتوة رغمًا عنه!

كان كيليان مبابي، وربما لا يزال، هو المثال الأوضح لفتوة العصر الحديث في ريال مدريد. لا يصرخ، ولا يتمرد علنًا، بل يبتسم ويفعل ما يريد.

وبينما كانت علاقته بتشابي ألونسو جيدة، بل ممتازة، وشهدت فترته أفضل أرقام اللاعب الفرنسي، لكن لحظة واحدة كانت كاشفة لكل شيء.

في مراسم تتويج برشلونة بالسوبر الإسباني في السعودية، طلب ألونسو من لاعبيه تنفيذ ممر شرفي للمنافس. قرار رمزي، بسيط، لكنه يحمل دلالة السلطة.

لكن الأزمة كانت في رفض مبابي، اللاعب الفرنسي لم يرفض فقط، بل دعا زملاءه لمغادرة الملعب، وكانت اللحظة الأخطر حينما أطاعه الجميع، وتجاهل المدرب.

في تلك اللقطة، لم يخسر ألونسو مباراة، لكنه هُزم من غرفة الملابس بالكامل.

هذا المشهد وحده كان كافيًا ليؤكد أن ألونسو لم يكن الحاكم، بل أحد الأطراف داخل منظومة تحكمها النجومية المطلقة، التي تتمثل في عصر الفتوات.

بيلينجهام.. فتوة العبوس والامتياز

يمثل جود بيلينجهام نوعًا آخر من الفتوات، فهو فتوة الامتياز.

منذ عودته من جراحة الكتف، لم يعد اللاعب نفسه، لا بدنيًا ولا ذهنيًا، ومع ذلك ظل يلعب أساسيًا، حتى في فترات كان فيها أردا جولر يتألق بوضوح تحت قيادة ألونسو.

التقارير الإسبانية تحدثت عن عبوس دائم في التدريبات، عن تذمر، عن لاعب يشعر بأن مكانه مضمون مهما كان مستواه، والأخطر أن اسمه تردد ضمن قائمة اللاعبين “المتسكعين” في الحصص التدريبية، وهو ما يعكس أزمة انضباط أكثر من أزمة أداء.

لم يتمرد بيلينجهام صراحة، لكنه مارس سلطته بصمت، والتي تمثلت في: اللعب دائمًا، الغضب دائمًا، والامتياز حاضر.

فينيسيوس.. فتوة العصيان العلني

أما فينيسيوس جونيور، فقصته مع ألونسو كانت الأكثر صخبًا، أشتعلت شرارة البداية في الكلاسيكو الأول، حين أبدى غضبه العلني عند استبداله، وبعدها، تكررت الاستبعادات، وتدهورت العلاقة، لكن فينيسيوس لم يغفر، ولم ينسَ.

وكان صمته عند وداع ألونسو أبلغ رسالة، رسالة لاعب شعر أن المدرب لم يحمه، ولم يمنحه المساحة التي يراها حقًا مكتسبًا.

وحين تكشف الأنباء أن فينيسيوس كان يرفض تجديد عقده قبل حسم مصير ألونسو، نفهم حجم النفوذ الذي وصل إليه اللاعب داخل النادي.

فينيسيوس لم يكن مجرد نجم، بل طرفًا في معادلة السلطة، وفتوة لا يُضاهى داخل أروقة سانتياجو برنابيو.

فالفيردي.. القائد الغاضب

خارج ثلاثي الفتوات، يقف فيدي فالفيردي، القائد الغاضب، لاعب ملتزم ظاهريًا، لكنه كان معترضًا في العمق.

يعترض على التدريبات الشاقة، والتعليمات التكتيكية التي لا تنتهي، والمطالب البدنية المرهقة، ومركز ظهير أيمن لا يريده، رغم غياب القائد الحقيقي داني كارفاخال، واللاعب المُبتلى بالإصابات منذ أن خطت قدماه مدريد، ترينت ألكسندر أرنولد.

كان فالفيردي في المُجمل من الأصوات الرافضة لنهج ألونسو، وهو ما يضيف بعدًا جديدًا للأزمة، فحتى القادة لم يكونوا في صف المدرب.

أربيلوا.. على أي خطى تسير؟

الآن يدخل ألفارو أربيلوا إلى غرفة ملابس مشتعلة، فهنا ثلاثي يمتلك السلطة، وهناك قائد غاضب، وإدارة تميل تاريخيًا للنجوم.

السؤال الحقيقي: هل يتعلم أربيلوا من مصير ألونسو؟

أمام المدرب الجديد خياران لا ثالث لهما، إما أن يسير على نهج أنشيلوتي وزيدان، حيث الحوار، والمرونة، وترك مساحات للنجوم، أو أن يحاول فرض نظام صارم كما فعل ألونسو، مع مخاطرة أن يكون الضحية التالية.

لكن الحقيقة القاسية أن ريال مدريد اليوم لا يُدار من دكة البدلاء فقط، بل من داخل غرفة الملابس، ومن لا يسيطر على الفتوات، سيظل مجرد اسم على ورقة.

لا يبدأ أربيلوا مشروعًا فنيًا، بل يدخل اختبار سلطة، رغم أنه في أغلب الأحوال لن يكون مدربًا دائمًا، ولكن كما علمنا العم نجيب محفوظ: السلطة لا تحسمها النوايا الطيبة، بل ميزان القوة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى