مقالات

حل مجلس النواب استحقاق دستوري

د. ليث كمال نصراوين

بدأ مجلس النواب الحالي الأشهر الأربعة الأخيرة من عمره الدستوري، إلا أن التساؤلات السياسية والشعبية بدأت تتزايد حول موعد رحيل النواب، وما إذا كان من الجائز دستوريا بقاء المجلس الحالي إلى حين إجراء الانتخابات القادمة وظهور النتائج النهائية، وهو ما يسميه البعض «مجلس يُسلّم مجلس».

إن المشرع الدستوري قد أورد مجموعة من الأحكام الإجرائية المتعلقة بتشكيل مجلس النواب، أهمها المادة (68/2) من الدستور التي تنص على أنه يجب إجراء اﻻنتخاب العام خلال الشهور الأربعة التي تسبق انتهاء مدة المجلس، فإذا لم يكن اﻻنتخاب قد تم عند انتهاء مدة المجلس أو تأخر بسبب من الأسباب يبقى المجلس قائما حتى يتم انتخاب المجلس الجديد. كما تنص المادة (73/1) من الدستور على أنه يجب أن تُجرى الانتخابات خلال أربعة أشهر من تاريخ الحل، بحيث يجتمع المجلس الجديد في دورة غير عادية خلال تلك المدة.

إن الأصل العام في إجراء الانتخابات النيابية أن يكون موعدها قبل انتهاء مدة المجلس الدستورية وخلال الأربعة أشهر الأخيرة من عمر المجلس القائم. وهو الحكم الدستوري الذي تم الالتزام به، حيث صدرت الإرادة الملكية السامية بالأمر بإجراء الانتخابات في نهاية شهر نيسان الماضي، والتي حدد مجلس مفوضي الهيئة المستقلة للانتخاب موعدا لها في العاشر من شهر أيلول القادم.

وعند الحديث عن بقاء مجلس النواب من عدمه عند حلول موعد الانتخابات القادمة، فإن إعمال أبسط قواعد العدالة والإنصاف بين المترشحين يقتضي بالضرورة حل المجلس وتجريد أعضائه الحاليين من صفتهم الدستورية كممثلين للشعب في السلطة التشريعية، وذلك لكي يكونوا على قدم المساواة وفي مركز قانوني متماثل مع باقي المترشحين للانتخابات القادمة على مستوى الدوائر المحلية والدائرة الانتخابية العامة المخصصة للأحزاب السياسية.

وما يعزز من الرأي الدستوري بأن حل مجلس النواب القائم هو متطلب دستوري لضمان نزاهة الانتخابات القادمة، أن المادة (6/1) من الدستور تنص على أن الأردنيين أمام القانون سواء، وأنه يجب ألا يكون هناك أي شكل من أشكال التمييز بينهم على أساس العرق أو الدين أو اللغة أو أي اعتبار آخر.

وعليه، ولغايات تحقيق المساواة بين الأردنيين المترشحين للانتخابات القادمة أمام قانون الانتخاب، فإنه يجب حل مجلس النواب وحرمان الأعضاء الحاليين، الذين أعلن السواد الأعظم منهم رغبته في الترشح للانتخابات المقبلة، من الاستفادة من مميزات العضوية في مجلس النواب خلال فترة حملاتهم الانتخابية.

كما أن حل مجلس النواب الحالي قبل إجراء الانتخابات القادمة يرتبط ارتباطا وثيقا بالمادة الأولى من الدستور التي تنص على أن نظام الحكم نيابي ملكي وراثي، وأن من أهم مرتكزات النظام النيابي وجود مجلس منتخب من الشعب لفترة زمنية محددة، بحيث يعود النواب المنتخبون إلى ناخبيهم عند انتهاء فترة عضويتهم وحل المجلس، وذلك طمعا منهم في إعادة انتخابهم لدورة تمثيلية جديدة.

وتطبيقا لهذه القواعد الفقهية في القانون الدستوري، جرى مؤخرا حل المجالس النيابية في كل من بريطانيا وفرنسا لغايات إجراء الانتخابات التشريعية فيها، ولم يتم الحديث عن فكرة أن يبقى المجلس النيابي قائما إلى حين انتخاب من سيخلفه.

وإلى جانب النصوص الدستورية المكتوبة، فإن الممارسات السابقة بحل مجالس النواب المتعاقبة قبل الانتخابات النيابية قد شكلت عرفا دستوريا ثابتا مفاده أن الحل هو خطوة استباقية لإجراء الانتخابات. فباستعراض المجالس النيابية السابقة في الأردن منذ عام 1947، نجد بأن جميعها قد جرى حلها قبل موعد الانتخابات النيابية، باستثناء مجلس النواب الخامس الذي انتخب في عام 1956 وأكمل مدته الدستورية، ومن ثم جرى التمديد له لسنة واحدة، واستمر في الانعقاد لحين انتخاب مجلس النواب السادس في عام 1961.

إن هذه السابقة التاريخية الوحيدة لا يمكن الاستناد إليها للتمسك بفكرة بقاء مجلس النواب الحالي إلى حين انتخاب المجلس الجديد. فمجلس النواب الخامس قد شهد ظروفا استثنائية دفعت إلى الإبقاء عليه وعدم حله قبل أوانه، فقد صدر في عهده القرار بتشكيل الاتحاد العربي بين الأردن والعراق في عام 1958، وما استتبع ذلك من تعديل الدستور الأردني ليتوافق مع دستور الاتحاد العربي، قبل أن يجري إلغاء تلك التعديلات في آب من العام نفسه. كما خضع الدستور في عهد مجلس النواب الخامس لتعديل آخر في يناير من عام 1960، الذي بموجبه تقرر إعطاء الملك الحق في التمديد لمجلس النواب.

من هنا، فإنه وقبل البدء بمرحلة الترشح للانتخابات القادمة مع نهاية الشهر الجاري ومباشرة الدعاية الانتخابية، من المتوقع أن تصدر إرادة ملكية سامية بحل مجلس النواب القائم وذلك لتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص بين المترشحين. فالإبقاء على النواب الحاليين أثناء فترة الترشح والدعاية الانتخابية سيضعهم في مركز قانوني أفضل من باقي المترشحين الآخرين، إذ يمكن للنائب المترشح أن يستغل عضويته النيابية لخدمة عملية ترشحه والتأثير في الدعاية الانتخابية لصالح قائمته المحلية أو الحزبية، كما أن ما سيتقاضاه من مكافآت العضوية في مجلس النواب خلال هذه المرحلة الانتخابية سيعزز من مركزه المالي في مواجهة باقي المترشحين المنافسين له.

أستاذ القانون الدستوري – عميد كلية الحقوق في جامعة الزيتونة

[email protected]

الرأي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى