"\n"
رئيسيمحليات

خبراء: الأمطار فرصة لتعزيز الإنصاف المناخي وحماية الطبيعة في الأردن

أردني – في وقت تتصاعد فيه تداعيات التغير المناخي على المستويات البيئية والاقتصادية والاجتماعية، تبرز العدالة البيئية كأحد المفاهيم المحورية لضمان حماية الإنسان والطبيعة معا والمحافظة على التنوع الحيوي، وترسيخ مبادئ المساواة وعدم التمييز، وحق جميع المواطنين في بيئة صحية وآمنة. ويأتي ذلك بالتزامن مع الأمطار التي يشهدها الأردن، والتي أعادت التأكيد على أهمية إدارة الموارد الطبيعية بشكل منصف ومستدام وتعزيز التنوع الحيوي والزراعي.

وفي هذا السياق، أكد الرئيس التنفيذي للمركز الوطني للعدالة البيئية الدكتور محمد مصطفى عيادات، أن العدالة البيئية لم تعد مفهوما نظريا أو ترفا قانونيا، بل تحولت إلى ضرورة حياتية ملحة، لا سيما في دول تعاني من شح المياه وتزايد آثار التغير المناخي، مثل الأردن.

وأوضح عيادات، أن العدالة البيئية تقوم على ضمان التطبيق العادل والمنصف للتشريعات البيئية على جميع المواطنين دون أي تمييز قائم على الجنس أو الأصل أو الدخل أو الموقع الجغرافي، وبما ينسجم مع المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان المعترف بها دوليا.

وأشار إلى أن الإطار التشريعي البيئي في الأردن شهد تطورا ملحوظا منذ صدور أول قانون لحماية البيئة عام 1995، مرورا بإنشاء وزارة البيئة عام 2003، وصولا إلى قانون حماية البيئة رقم (6) لسنة 2017، الذي عزز الصلاحيات القانونية لحماية عناصر البيئة المختلفة. كما لفت إلى صدور نظام التغير المناخي رقم (79) لسنة 2019، وإقرار الخطة الوطنية للتكيف مع التغير المناخي لعام 2022، بما وفر أدوات تشريعية واستراتيجية مهمة لمواجهة المخاطر المناخية.

ورغم هذا التطور، شدد عيادات على أن التحدي الحقيقي لا يزال في التطبيق العملي، في ظل تعدد التشريعات وتشعبها، وضعف التنسيق بين الجهات المعنية، ومحدودية الوعي المجتمعي بمفهوم العدالة البيئية. وأكد أن معالجة هذه التحديات تتطلب تعزيز القدرات المؤسسية، وتفعيل دور القضاء البيئي، وترسيخ سيادة القانون، وتمكين المواطنين من المشاركة الفاعلة في حماية حقوقهم البيئية.

وأضاف أن تحقيق العدالة البيئية يستلزم هيكلة فاعلة لقطاع العدالة البيئية، تربط بين التشريع والممارسة، وتضمن توزيعا عادلا للأعباء والمنافع البيئية، مع إعطاء أولوية للفئات الأكثر هشاشة، وتوفير آليات تتيح للمواطنين متابعة تنفيذ القوانين والمطالبة بحقوقهم البيئية.

وأكد أن التغير المناخي لم يعد مجرد تحد بيئي، بل أصبح عاملا يعيد تشكيل مفاهيم العدالة الاجتماعية والاقتصادية، من خلال تعميق الفجوات بين الفئات القادرة على التكيف وتلك الأكثر تعرضا للمخاطر، مشددا على أن العدالة البيئية تشمل الحق في بيئة نظيفة، والحماية من الآثار السلبية للتغير المناخي، والمشاركة في صنع القرار، والتوزيع العادل للفوائد والأعباء البيئية، وضمان الوصول المنصف إلى القضاء.

وفي هذا الإطار، أشار إلى الدور الريادي الذي يضطلع به المركز الوطني للعدالة البيئية بوصفه أول مؤسسة مجتمع مدني متخصصة في القانون والحقوق البيئية في الأردن، موضحا أن المركز يعمل على بناء القدرات القانونية للعاملين في القطاع البيئي، ورفع وعي المواطنين بحقوقهم البيئية، وتعزيز الشراكات مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص لدمج العدالة البيئية في سياسات التنمية المستدامة.

من جهته، أكد رئيس اتحاد الجمعيات البيئية عمر شوشان، أن الأمطار في الأردن لا يمكن التعامل معها كظاهرة موسمية عابرة، بل تمثل عنصرا محوريا في تحقيق التوازن البيئي وتعزيز الأمن المائي والغذائي، ومرتكزا أساسيا للعدالة البيئية في ظل التغير المناخي.

وأوضح شوشان أن الهطولات المطرية تسهم في تغذية المياه الجوفية، وتعزيز مخزون السدود، ودعم الغطاء النباتي، وحماية التربة من التصحر، مشيرا إلى أن الإدارة العادلة لهذه الموارد تضمن توزيعا منصفا للمياه والخدمات البيئية بين المناطق الحضرية والريفية، وبين الفئات الاجتماعية المختلفة.

وبين أن الأمطار المنتظمة تدعم الزراعة البعلية وتحافظ على خصوبة التربة، في حين أن الأمطار الغزيرة والمفاجئة قد تتسبب بفيضانات وأضرار تطال البنية التحتية والمنازل، ما يعرض الفئات الأضعف لمخاطر مضاعفة، ويجعل العدالة البيئية عنصرا أساسيا في التخطيط الحضري وإدارة الموارد المائية.

بدوره، أوضح الخبير في علوم المياه إلياس سلامة، أن التحسن الذي أحدثته الأمطار الأخيرة في تغذية المياه الجوفية وعودة تدفق الينابيع يعزز أحد أهم أبعاد العدالة البيئية، والمتمثل في ضمان حق المجتمعات المحلية، خاصة في المناطق الطرفية والريفية، في الوصول العادل إلى مياه نظيفة وآمنة.

وأشار إلى أن ارتفاع منسوب الخزانات الجوفية وتحسن جودة المياه يسهمان في تقليص الفجوة المائية بين المناطق، وتخفيف الأعباء الصحية والاقتصادية عن الفئات التي عانت طويلا من شح المياه أو تلوثها. وأضاف أن تحسن صحة النظم البيئية وعودة الينابيع الداعمة للزراعة البعلية يعززان صمود صغار المزارعين، ويحدان من تدهور الأراضي، بما يعكس توزيعا أكثر إنصافا للمنافع البيئية.

وأكد سلامة أن دور السياسات العامة يبقى محوريا في تحويل هذا التحسن الطبيعي إلى مكسب مستدام، من خلال التوعية بالاستخدام الرشيد لمياه الأمطار، وتكاملها مع المشاريع الاستراتيجية كمشروع تحلية المياه في العقبة، الذي ينتظر أن يخفف الضغط عن المياه الجوفية، ويحقق توازنا مائيا وبيئيا طويل الأمد، بما يرسخ العدالة البيئية كحق أصيل لا كامتياز مؤقت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى