"\n"
منوعات

رغم غياب المسحراتي.. السحور يحافظ على بهجته الرمضانية

أردني – مع حلول شهر رمضان المبارك، تبرز وجبة السحور كركيزة أساسية للصائم، فهي سنة نبوية ودعامة غذائية تساعد الصائم على الصبر وتحمل ساعات طويلة من مجاهدة النفس والامتناع عن كل ما يفسد الصيام خاصة الأكل والماء.

ويشير متحدثون لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) الى أن الجيل السابق كان يعيش السحور بوصفه لحظة تضامن يومي، تتخللها بهجة الشهر في الثلث الأخير من كل ليلة وإعداد أطعمة كانت تحتاج إلى وقت في الإعداد، مثل “فتة الحمص” و “الفول” و”العجة”، إلى جانب تبادل الأطباق بين الجيران.

وتقول الاستاذة المشاركة في علم الاجتماع والاتصال الدكتورة ميساء الرواشدة إنه، ومن خلال القراءات السوسيولوجية، فإن التغير بين الأجيال يتمثل في انتقال السحور من كونه طقسا جماعيا متكاملا داخل الأسرة الممتدة، إلى ممارسة أكثر مرونة داخل الأسرة النووية، موضحة ان الجيل السابق كان يعيش السحور بوصفه لحظة تضامن يومي، تتخللها أطعمة تقليدية غنية تحتاج إلى وقت في الإعداد، مثل “فتة الحمص” و”الفول” و”العجة”، إلى جانب تبادل الأطباق بين الجيران.

وأوضحت ان ممارسات السحور التقليدية شكلت ذاكرة جماعية عميقة لدى أولئك الذين نشأوا في أسر كبيرة، حيث كانت الوجبة مناسبة للتلاقي الأسري والطقوس المشتركة، أما الجيل الحالي، فيعيش السحور ضمن إيقاع أسرع، مع تنوع غذائي أوسع وحضور متزايد للتكنولوجيا، ما أدى إلى أن يصبح السحور أحيانا أقل طقسية وأكثر فردانية، مع تحولات في نمط الاستهلاك والعلاقات الأسرية المرتبطة به.

ولفتت الى وجود عوامل بنيوية واضحة ساعدت في هذا التغيير كالتحضر، التحول من الأسرة الممتدة إلى النووية، ودخول المرأة سوق العمل، وضغوط الاقتصاد الحديث، مشيرة الى أن التكنولوجيا لعبت دورا رمزيا مهما؛ إذ حل المنبه الرقمي محل المسحراتي، فانتقلنا من تجربة استيقاظ جماعية يسمعها الحي بأكمله إلى تجربة فردية كما أن وجود الهواتف الذكية على مائدة السحور قلل من الحوار الوجاهي، وأعاد تشكيل الطقس ضمن منطق الفردانية الحديثة.

وأشارت الرواشدة إلى أن نمط الحياة السريع خلق ما يمكن تسميته “ضغط الزمن الاجتماعي”، وتقلص الوقت المخصص للجلوس المشترك، وأصبح البعض يكتفي بوجبة سريعة أو خفيفة، كما تراجعت بعض الأطباق التقليدية التي تحتاج وقتا وجهدا، مقابل انتشار الوجبات الجاهزة، أو الالتزام بوجبات صحية محسوبة السعرات لدى بعض الفئات، ما حول العلاقة مع الطعام من فعل اجتماعي احتفالي إلى خيار وظيفي أو صحي.

وقالت ان اختلاف أوقات الدوام والعمل الليلي أعاد تنظيم زمن الأسرة خلال شهر الصيام، حيث لم يعد من السهل أن يجتمع الجميع في توقيت واحد، ما أثر في الطابع الجماعي للوجبة، كما دفع الإرهاق من العمل بعض الأفراد إلى الاكتفاء بوجبات خفيفة، مشددة على أن البعد الديني للسحور ظل ثابتا، فهو شعيرة وسنة وبركة واستعداد روحي.

واشارت الرواشدة الى تغير الإطار الاجتماعي وتقلص بعض مظاهر التفاعل الأسري بسبب الأجهزة الذكية واختلاف المواعيد، حيث أن الأطفال اليوم قد لا يعيشون تجربة الاستيقاظ الجماعي كما عاشتها الأجيال السابقة، ما يضعف الذاكرة الطقسية المشتركة، كما تغيرت القيم الغذائية مع زيادة الأطعمة المصنعة، داعية إلى تحقيق التوازن بين الحداثة والحفاظ على البعد الديني والاجتماعي والصحي للسحور، وإعادة تفعيل روح التضامن الأسري ضمن سياق الحياة الحديثة.

وتحرص ربة البيت “أم أمير” في شهر رمضان على إعداد وجبة سحور صحية لعائلتها؛ في محاولة منها لإعداد وجبة صحية متوازنة ومتكاملة، تمدهم بالطاقة وتشعرهم بالشبع لأطول فترة في ساعات الصيام التي تمتد لأكثر من 12 ساعة بقليل.

وتقول إن اولادها يجدون صعوبة في الصيام إذا غابت وجبة السحور أو إذا تناولوا أطعمة لا تلبي احتياجات أجسامهم، مشيرة الى التحدي المتمثل بتعدد الخيارات غير الصحية وتفضيل البعض لها.

وتؤكد أم أمير أنها تسعى لتجربة وصفات جديدة ومتنوعة، مع الحرص على أن تتضمن العناصر الغذائية الأساسية، لجعل وجبة السحور صحية ولذيذة في الوقت ذاته، وممتعة للأطفال الذين يحاولون قدر الصوم قدر استطاعتهم من باب تقليد الكبار ثم يفطرون ساعة يشاؤون.

من جهته يؤكد خبير التغذية نصر عليمات، الدور المحوري للسحور في مساعدة الجسم على التكيف مع ساعات الصيام الطويلة، وتقليل أعراض الجوع والعطش والإرهاق، وتحسين الأداء الذهني والبدني خلال النهار، مشيرا الى ان أهمية السحور تكمن في كونه يقلل مدة الانقطاع الغذائي بين آخر وجبة وبداية الإفطار، ما يساعد في تقليل هبوط سكر الدم، والحد من الشعور بالتعب والدوخة والصداع، كما أن اختيار مكونات غذائية مناسبة في السحور يسهم في الحفاظ على مستوى طاقة مستقر، وتقليل نوبات الجوع الشديد التي تؤدي غالبا إلى الإفراط في تناول الطعام عند الإفطار.

وأوضح عليمات أن السحور عادة صحية ايجابية؛ لأنه يدعم قدرة الجسم على الاستمرار في القيام بوظائفه الحيوية بكفاءة خلال النهار، ويحافظ على توازن السوائل بشكل أفضل، خاصة عند الالتزام بتوزيع شرب الماء بشكل صحيح، كما أنه يؤثر بشكل مباشر على مستوى النشاط والتركيز، فالسحور المتوازن يساعد في ثبات سكر الدم، ويقلل الصداع والخمول، ويحسن الأداء الذهني خلال ساعات الصباح، ويسهم في استقرار المزاج وتقليل الانفعال المرتبط بالجوع الشديد، ويدعم صحة الجهاز الهضمي ويقلل الإمساك، ويقلل فقدان الكتلة العضلية خلال الصيام، ويحسن جودة النوم عند تجنب السكريات والوجبات الثقيلة، ويقلل الإفراط في تناول الطعام عند الإفطار.

ودعا عليمات إلى تضمين وجبة السحور أربعة عناصر غذائية رئيسية لتكون فعالة ومتكاملة، مثل الكربوهيدرات المعقدة (بطيئة الامتصاص)، مثل الشوفان وخبز القمح الكامل والبرغل والفول والحمص والعدس، مشيرا إلى أنها تتميز ببطء الهضم، ما يمنح الجسم طاقة متدرجة، ويساعد على استقرار سكر الدم، ويؤخر الشعور بالجوع مقارنة بالسكريات والنشويات البيضاء والبروتين عالي الجودة، مثل البيض، اللبن، الزبادي، اللبنة، الجبن قليل الملح، والتونة أو الدجاج بكميات مناسبة.

وأوضح عليمات أن الجوع غالبا ما يحدث خلال الصيام بسبب اختيار وجبة سحور غير متوازنة تعتمد على السكريات أو النشويات البيضاء، ما يؤدي إلى ارتفاع سريع في سكر الدم ثم هبوطه بشكل سريع، وبالتالي شعور مبكر بالجوع، أما السحور المتوازن الذي يجمع بين البروتين، الألياف، والكربوهيدرات المعقدة، فيمنح الجسم طاقة ثابتة ويقلل الإحساس بالجوع لفترة أطول.

واوضح عليمات ان العطش يرتبط بشكل مباشر بكمية الملح والكافيين، إضافة إلى سوء توزيع السوائل؛ فالإكثار من المخللات والأطعمة المالحة، أو شرب القهوة قبل الإمساك مباشرة، يؤدي إلى زيادة فقد السوائل، وبالتالي عطش أشد خلال النهار، ناصحا بشرب الماء تدريجيا من بعد الإفطار حتى السحور، بدل شرب كميات كبيرة دفعة واحدة، مع تقليل الملح، والحد من المشروبات المدرة للبول مثل القهوة والشاي الثقيل قبل الإمساك عن الطعام .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى