"\n"
مقالات

مدينة ووهان: المعجزة الاقتصادية الصينية

د. رعد محمود التل

تعكس تجربة مدينة ووهان بعد جائحة كورونا التحول العميق في النموذج الاقتصادي الصيني من منصة تصنيع مندمجة في النظام العالمي إلى قوة إنتاجية أكثر استقلالًا. ولم تكن جائحة كورونا ذريعة لتعليق المسؤولية، بل كانت فرصة حقيقية لإعادة هيكلة الاقتصاد وتحسين الأداء وتحول الاقتصاد الصيني لتعزيز القدرة على الصمود والنمو.

هذا التحول يجسد المسار الصيني من (صنع في الصين) إلى (صنع مع الصين) ثم إلى (صنع من أجل الصين)، حيث لم يعد الهدف مجرد الاندماج في الأسواق العالمية بل إعادة تعريف منطق الإنتاج ومصادر القوة الاقتصادية.

في المرحلة الأولى اعتمدت الصين، ومدينة ووهان كإحدى ركائزها الصناعية، على جذب الاستثمارات الأجنبية والتصنيع منخفض الكلفة. اقتصر الدور المحلي على التجميع والتنفيذ بينما بقيت التكنولوجيا والتصميم والعلامات التجارية خارج البلاد. هذا النموذج وفر نموًا سريعًا وخلق ملايين الوظائف، وأسهم في خفض البطالة على المستوى الوطني إلى ما دون 5٪ قبل الجائحة، لكنه في المقابل كرس ضعفًا في القيمة المضافة وارتباطًا عاليًا بالطلب الخارجي، مع اعتماد المدينة على الصناعات الثقيلة والخدمات اللوجستية بدل الموارد الطبيعية مثل النفط أو الغاز.

مع الانتقال إلى مرحلة (صنع مع الصين) بدأت مدينة ووهان بالصعود داخل سلاسل القيمة العالمية. فرضت الدولة شراكات صناعية ونسب محتوى محلي، ودعمت الموردين المحليين، ووسعت قاعدة القدرات الهندسية والصناعات المتقدمة. لم تعد المدينة مجرد مصنع، بل شريكًا في الإنتاج والتطوير، وهو ما ساعد على استقرار سوق العمل رغم تباطؤ الاقتصاد العالمي، حيث حافظت البطالة في الصين على مستوى بين 5 و5.5٪ خلال هذه المرحلة، بينما كانت المدينة تركز على الصناعات عالية التقنية والتصنيع المتقدم والخدمات اللوجستية.

جاءت جائحة كورونا لتشكل صدمة غير مسبوقة. في أوائل 2020 خضعت مدينة ووهان لحجر صحي صارم لأكثر من 70 يومًا، فتراجع الإنتاج الصناعي بأكثر من 40٪، وانخفضت مبيعات التجزئة بنحو 45٪، وتعرض سوق العمل لضغوط كبيرة. على المستوى الوطني ارتفعت البطالة الحضرية مؤقتًا إلى قرابة 6٪، مع تضرر واضح في قطاعات الخدمات والعمالة الشابة، بينما أظهرت المدينة قدرة كبيرة على استيعاب الصدمة بفضل بنيتها الصناعية القوية وتنويع الاقتصاد بعيدًا عن الموارد الطبيعية.

بعد انحسار الأزمة الصحية بدأت مرحلة (صنع من أجل الصين) تتجسد بوضوح في مدينة ووهان. أعيد تشغيل المصانع بسرعة، وأعيد توجيه الإنتاج نحو تلبية الطلب المحلي أولًا. في عام 2021 سجل اقتصاد المدينة نموًا تجاوز 12.2٪، وبلغ الناتج المحلي أكثر من 1.77 تريليون يوان (≈ 280 مليار دولار أمريكي)، وهو ما انعكس مباشرة على سوق العمل مع عودة البطالة في الصين إلى نطاق 5٪، مدعومة بالتوسع الصناعي والاستثماري وارتفاع الطلب على الخدمات الحديثة والصناعات المتقدمة.

خلال 2024 استقر التعافي وتحول إلى نمو أكثر توازنًا. بلغ ناتج مدينة ووهان في أول ثلاثة أرباع العام أكثر من 1.47 تريليون يوان (≈ 232 مليار دولار أمريكي) بنمو 5.1٪، وأسهم قطاع الخدمات بأكثر من 60٪ من هذا النمو، بينما شكل التصنيع المتقدم نحو 35٪ من الناتج الصناعي. في هذه المرحلة حافظت البطالة الحضرية في الصين على مستوى يقارب 5.2٪ رغم التحديات العالمية، مع خلق وظائف إضافية في قطاعات التكنولوجيا والابتكار والخدمات اللوجستية.

في النصف الأول من 2025 بلغ الناتج المحلي لمدينة ووهان 1.059 تريليون يوان (≈ 167 مليار دولار أمريكي) بنمو يقارب 5.5٪، وارتفعت مبيعات التجزئة بأكثر من 6٪، وزاد الاستثمار في الأصول الثابتة بنحو 7٪، وقفزت إيرادات السياحة بنحو 20٪ على أساس سنوي. هذا الأداء ساعد على خلق وظائف جديدة، خاصة للشباب، وساهم في احتواء الضغوط على البطالة، مع استمرار التركيز على الصناعات والخدمات غير المعتمدة على الموارد الطبيعية.

اقتصاد مدينة ووهان اليوم يقوم على التصنيع المتقدم، الابتكار التكنولوجي، الخدمات، والسوق المحلي القوي، بعيدًا عن الاعتماد على النفط أو الغاز أو أي موارد طبيعية كبيرة. قرار الإنتاج يبدأ من الداخل، من احتياجات المجتمع والأمن الاقتصادي، ثم يأتي التصدير كقيمة مضافة، وهو ما يقلل هشاشة الاقتصاد وسوق العمل أمام الصدمات الخارجية ويجعل المدينة أكثر مرونة واستدامة.

نجاح ووهان الاقتصادي يعود أساسًا إلى تنويع اقتصادها واعتماده، على التصنيع والخدمات والابتكار التكنولوجي بدل الموارد الطبيعية، إضافة إلى البنية الصناعية القوية قبل الأزمة، ودعم الحكومة للتوسع الاستثماري وسوق العمل، والقدرة على إعادة توجيه الإنتاج نحو السوق المحلي بسرعة بعد كورونا. هذه العوامل مجتمعة جعلت المدينة قادرة على التعافي بسرعة، خلق الوظائف، والحفاظ على استقرار اقتصادي مستدام، لتصبح ووهان نموذجًا حيًا لـ (المعجزة الاقتصادية الصينية)..

الرأي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى