"\n"
مقالات

رؤية التحديث الاقتصادي والربط الكهربائي: الأردن مركزًا إقليميًا للطاقة

م. عبدالفتاح الدرادكة

تُمثّل رؤية التحديث الاقتصادي أحد أهم المسارات الاستراتيجية التي تبنّاها الأردن لمواجهة التحديات الاقتصادية وتعزيز النمو المستدام، مستندةً إلى استثمار الموقع الجغرافي والموارد المتاحة وبناء شراكات إقليمية فاعلة. وفي هذا السياق، يبرز الربط الكهربائي العربي والإقليمي كأحد المحاور الجوهرية التي تحقق رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني في أن يكون الأردن مركز انطلاق إقليمي في مجال الطاقة، بما يعزز مكانته الجيوسياسية والاقتصادية، ويدعم دوره كحلقة وصل موثوقة بين الدول والأنظمة الكهربائية.

إنّ الربط الكهربائي لا يُعد مجرد مشروع فني أو بنية تحتية للطاقة، بل هو أداة استراتيجية ذات أبعاد اقتصادية وسياسية وتنموية. فمن خلاله يمكن للأردن تسويق نفسه كمركز إقليمي للطاقة والكهرباء، مستفيدًا من تقدّمه اللافت في مجال الطاقة المتجددة، حيث وصلت نسبة مساهمتها في مزيج الطاقة الكهربائي إلى مستويات متقدمة مقارنة بدول المنطقة، فضلًا عن تنوّع مصادر التوليد، بما في ذلك إدخال الحرق المباشر للصخر الزيتي لتوليد الكهرباء، وهو ما عزّز من أمن التزويد والاستقلالية النسبية في قطاع الطاقة.

ويزداد هذا الدور أهمية إذا ما نظرنا إلى موقع الأردن الجغرافي الفريد الذي يربط بين قارتي آسيا وأفريقيا، وهو ما تجسّد عمليًا في مشروع الربط الكهربائي الأردني–المصري، الذي يُعد نموذجًا ناجحًا للتكامل العربي، حيث بدأ تشغيله عام 1998 وحقق منذ ذلك الحين فوائد كبيرة للنظامين الكهربائيين في البلدين. ولم يكن هذا الربط مجرد تبادل للطاقة، بل شكّل مظلة أمان فني وتشغيلي، خاصة للنظام الكهربائي الأردني صغير الحجم نسبيًا، والذي يستضيف نسبة مرتفعة من الطاقة المتجددة المتقلبة.

وفي هذا الإطار، فإن تعزيز الربط الأردني–المصري ليصل حجم التبادل من 500 ميغاواط إلى نحو 2000 ميغاواط يُعد خطوة استراتيجية في الاتجاه الصحيح، إذ يرفع من قدرة النظامين على استيعاب الطاقة المتجددة، ويُحسّن من استقرارية الشبكات، ويتيح فرصًا اقتصادية أوسع لتبادل الطاقة وفقًا لفترات الذروة والفائض.

ومن جهة أخرى، فإن استئناف تشغيل الربط الكهربائي الأردني–السوري، والذي نأمل أن يتم قريبًا، يُمثّل حلقة محورية لاستكمال الربط الإقليمي، حيث يفتح المجال للربط مع لبنان، ويُعزّز الربط مع العراق، الذي يُفترض أن يكون قد تحقق ضمن مشروع الربط الثماني الذي يضم الأردن ومصر وليبيا وفلسطين وسوريا والعراق ولبنان وتركيا. إن استكمال هذه المنظومة سيُحوّل الأردن إلى نقطة ارتكاز رئيسية في شبكة كهرباء إقليمية واسعة تمتد لاحقًا نحو أوروبا عبر تركيا.

وتزداد فرص نجاح هذا الدور بالنظر إلى أن الأردن عضو فاعل في جميع هيئات الربط العربية، من خلال الاتحاد العربي للكهرباء، وعضويته في منظمة مشغلي أنظمة الكهرباء حول البحر الأبيض المتوسط، التي تضم دول حوض المتوسط كافة. وقد كان للأردن، وما يزال، دور نشط في هذه المنظمة، سواء من حيث المشاركة الفنية أو المساهمة في تطوير الأطر التشغيلية والتصميمية للشبكات، واعتماد معايير موحدة للتعامل مع الربط الكهربائي، بما يمهّد للوصول إلى سوق كهرباء إقليمية قائمة على التعاون والتكامل.

ولا يمكن إغفال الأهمية الاستراتيجية للربط الكهربائي مع المملكة العربية السعودية، حيث إن نقاط الربط قريبة نسبيًا ولا تتجاوز مسافة 150 كيلومترًا. ورغم وجود تحدٍ فني يتمثل في اختلاف الذبذبة بين النظامين الكهربائيين، والذي يتطلب استثمارًا يُقدّر بنحو 300 مليون دولار، إلا أن العائد المتوقع يفوق هذه الكلفة بكثير، ليس للأردن فحسب، بل للمنطقة بأسرها. فحجم النظام الكهربائي السعودي، الذي يناهز 90 ألف ميغاواط، يمنح هذا الربط بعدًا استراتيجيًا ضخمًا، ويُكرّس الأردن كدولة ربط أساسية بين السعودية وبقية الأنظمة الكهربائية الإقليمية.

أما على الصعيد الوطني، فإن تعظيم أهمية الربط الكهربائي ينعكس مباشرة على استقرارية النظام الكهربائي الأردني، من خلال توفير احتياطي دوّار شبه مجاني، بدلًا من تشغيل وحدات توليد إضافية تعتمد على الوقود، وما يرافق ذلك من كلف مالية وبيئية. كما يتيح الربط الاستغلال الأمثل للاستطاعة الكهربائية المتوفرة خلال فترات انخفاض الطلب، لا سيما في فصلي الربيع والخريف، الأمر الذي يُحسّن معامل الحمل الكهربائي ويزيد من كفاءة التشغيل.

خلاصة القول، إن الربط الكهربائي، في بُعده العربي والإقليمي، يُشكّل ركيزة أساسية من ركائز رؤية التحديث الاقتصادي، ويمنح الأردن فرصة تاريخية للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة، بما يسهم في تحفيز الاقتصاد الوطني، وخلق فرص استثمارية جديدة، وتعزيز مكانته كدولة محورية في معادلة الطاقة الإقليمية، قائمة على التعاون والتكامل لا التنافس، وعلى الاستدامة لا الحلول المؤقتة.
والله من وراء القصد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى