
أردني – تعتمد دائرة الإفتاء العام الأردنية منهجية توازن بين الرؤية البصرية للأهلة (الأصالة الشرعية) والحسابات الفلكية (الدقة العلمية) لإثبات شهر رمضان وبقية الشهور الهجرية.
وأوضح الناطق الإعلامي للدائرة، الدكتور أحمد الحراسيس، أن الحساب الفلكي القطعي يستخدم كمعيار “النفي” في حال استحالة الرؤية، بينما تظل الرؤية المباشرة عبر “لجنة الأهلة” المتخصصة هي الأصل الشرعي، ما يضمن دقة العبادات وفقا للسنة النبوية الشريفة والمعطيات العلمية.
وبين أن الدائرة توفق بين قوله صلى الله عليه وسلم: “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته”، و”النواميس الكونية” التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: (الشمس والقمر بحسبان)، وبناء عليه، لا يثبت الشهر بالحساب وحده، ولكن ينفي به إذا جزم باستحالة الرؤية، مما يضمن حماية العبادات من “توهم الرؤية” الذي قد يصادم الحقائق العلمية القطعية.
وأشار إلى أن قبول شهادة الشاهد العادل يخضع لشروط شرعية وفلكية صارمة، أبرزها سلامة الحواس، أي أن يكون الشاهد صحيح البصر، عاقلا، ظاهره صالحا، إضافة إلى المعرفة التقنية، أي أن يكون على دراية بمكان وزمان وهيئة الهلال وقت التماسه، وألا تتعارض شهادته مع الحسابات الفلكية القطعية.
وشدد على أن الدائرة ترفض أي شهادة تصادم الواقع العلمي، مثل الحالات التي يغرب فيها الهلال قبل الشمس أو قبل حدوث “الاقتران” (التولد)، مؤكدا أننا لا نتبع أي دولة تعلن الرؤية في حال أجمع علماء الفلك على استحالتها، التزاما بالمعايير العلمية الدقيقة.
وأشار الحراسيس، إلى أنه منذ أن أنيطت مهمة تحري الأشهر القمرية، بما فيها هلالي رمضان وشوال، إلى دائرة الإفتاء العام، اتبعت الدائرة سياسة تقوم على إشراك أهل العلم والخبرة في هذه المسألة، حيث تم تشكيل لجنة خاصة يرأسها المفتي العام للمملكة بقرار من رئاسة الوزراء، تسمى (لجنة الأهلة)، تكون مهمتها تحري بدايات الشهور القمرية، وتتألف من عدد من الكفاءات وأصحاب الخبرات في هذا المجال.
وتابع أن هذه اللجنة تضم عددا من أساتذة الجامعات، ومندوبا عن وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية، ومندوبا عن دائرة قاضي القضاة، ومندوبا عن المركز الجغرافي الملكي، ومندوبا عن الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك، والجمعية الفلكية الأردنية، ودائرة الأرصاد الجوية، حيث تقوم بوضع المعطيات الفلكية وظروف تحري الهلال أمام مجلس الإفتاء والبحوث والدراسات الإسلامية، الذي يتألف بدوره من كبار علماء المملكة، ليتم اتخاذ القرار النهائي بتحري دخول هلال الشهر.
وتقوم اللجنة بدراسة الظروف الفلكية وتوجيه المترائين في المراصد الفلكية المنتشرة في المملكة نحو الإحداثيات الدقيقة للهلال، ثم ترفع هذه المعطيات إلى مجلس الإفتاء والبحوث والدراسات الإسلامية لاتخاذ القرار النهائي.
وقال الحراسيس، إن محددات إثبات دخول الشهر القمري تتلخص في 4 نقاط أساسية: تولد الهلال (الاقتران)، وغروب الهلال بعد غروب الشمس في اليوم التاسع والعشرين، وتوافر ظروف إمكانية الرؤية (عمر القمر، مدة المكث، الاستطالة، سمك الهلال، درجة الارتفاع، نسبة الإضاءة، فرق السمت)، وثبوت الرؤية فعليا، سواء بالعين المجردة أو باستخدام التلسكوبات والتقنيات الحديثة.
وأكد أن هذا النهج يضمن لدائرة الإفتاء العام صيانة العبادات وربطها بالمنظومة العلمية الحديثة، محققة شعارها في الجمع بين “الأصالة والمعاصرة”.
من جانبه، أشار رئيس الجمعية الفلكية الأردنية وعضو لجنة الأهلة، الدكتور عمار السكجي، إلى أن المعطيات الفلكية لشهر رمضان لعام 1447 الهجري تشير إلى عدم إمكانية رؤية هلال رمضان يوم الثلاثاء 17 شباط الحالي في الأردن، نظرا لأن المعطيات الفلكية كلها تقع دون القيم المعيارية للرؤية، مثل مكث القمر الذي يبلغ ثلاث دقائق فقط، والاستطالة، وعمره وارتفاعه وسمكه، ووقوعه دون حد دانجون، ما يجعل الأربعاء 18 شباط متمما لشهر شعبان، حيث تؤكد جميع المعايير الفلكية أن الرؤية غير ممكنة أو مستحيلة بالعين المجردة أو باستخدام التلسكوب أو التصوير الفلكي في المنطقة العربية.
وقال: “تكشف الحسابات الفلكية المتعلقة بظروف تحري هلال رمضان 1447 أن الأربعاء الموافق 18 شباط الحالي سيكون على الأرجح المتمم لشهر شعبان، ليكون الخميس 19 شباط هو غرة الشهر الفضيل في الأردن ومعظم الدول العربية والإسلامية، نظرا لعدم إمكانية رؤية الهلال يوم الثلاثاء بسبب معطياته الفلكية التي تجعل القمر مغمورا في وهج الشمس بعد الغروب”.
وأكد أن كافة المعايير العالمية (يالوب، مرصد جنوب أفريقيا، عودة، وغيرها) أكدت عدم إمكانية الرؤية بعد غروب شمس يوم الثلاثاء، حتى باستخدام التلسكوبات وتكنولوجيا التصوير الفلكي.
وأشار إلى أن ذلك اليوم سيشهد كسوفا حلقيا/جزئيا للشمس (غير مرئي في الأردن)، وهو دليل قطعي على حدوث “الاقتران”، حيث يعتبر اقترانا مرئيا، ودليلا على عدم إمكانية رؤية الهلال في وقت الكسوف أو بعده بعدة ساعات.
وأضاف الباحث في التراث الفلكي إبراهيم خضر الدعجة أن الأرقام اليوم تحسم الموقف، لكنه استذكر كيف كان رمضان يستقبل قديما في الأردن وبلاد الشام، حيث كانت “الأصالة” هي العنوان.
وأوضح أن ذلك كان يتجسد في الترائي الشعبي، حين كان الناس يصعدون التلال وأسطح المنازل في اليوم التاسع والعشرين من شعبان، معتمدين كليا على العين المجردة، دون أدوات فلكية حديثة.
ولفت إلى أن خبر يوم مفتتح الصيام كان ينقل من الشاهد إلى القاضي الشرعي أو شيخ البلدة، ثم يعلن عبر “المنادي” في الأسواق أو بطلقات “المدافع” التي كانت تهز أركان المدن إيذانا بالفرح.
وأكد أنه لا يكتمل الحديث عن رمضان دون استحضار العادات الاجتماعية التي لم تتغير رغم تطور وسائل الرصد، فموائد الأردنيين ما تزال وفية للمشروبات التقليدية مثل التمر الهندي والعرقسوس وقمر الدين، فيما تشمل قائمة الحلويات “القطايف” التي تظل سيدة السهرات الرمضانية بلمة العائلة، سواء بالجوز أو القشطة.
بترا



