"\n"
مقالات

مشروع قانون الضمان: هل كلفة القرار غداً أعلى من اليوم؟

د. رعد محمود التل

لا اعتقد أن فكرة رفض القانون بكامل مواده أو قبوله بالكامل هي فكرة صحيحة في هذا التوقيت بالذات دون أن نخضع كل مادة الى دراسة عميقة مستفيضه، وأن يبقى النقاش مستمراً حول هذا القانون الذي يمس حياة كل فرد في المجتمع لذلك ستأخذ نقاشات مجلس النواب أهمية كبيره في تحديد مسارات هذا القانون، وحتى تكون تلك النقاشات موضوعية علمية فمن المهم أيضاً الاطلاع على نتائج الدراسة الاكتوارية الحادية عشرة والتي جاءت في أغلب المقترحات الواردة في مشروع قانون الضمان الاجتماعي الجديد. حيث غطت الدراسة فترة أربع سنوات سابقة 2020 – 2023 وقدمت توقعات للوضع الاكتواري والمالي للمؤسسة لفترة 90 سنة مستقبلية من 2024 – 2113. نقول من المهم عند المناقشات الاطلاع على تلك النتائج والعمل على عكسها في التشريعات بصورة تضمن استدامة المؤسسة وحقوق المنتفعين.

في البداية من المهم النظر للوضع الحالي لمؤسسة الضمان، حيث يبلغ حجم الانفاق الكلي على البرامج التقاعدية والتأمينات ما يقارب مليارين و300 مليون دينار سنويا، وحجم الرواتب التقاعدية شهرياً 177 مليون دينار منها 107 مليون دينار لرواتب التقاعد المبكر الذي من المفترض أن يكون استثناءً لكنه أصبح الاصل في مثل هكذا حاله. خلال الفتره 2020-2023 تظهرالارقام أن ايرادات الاشتراكات أعلى من نفقات الرواتب التقاعدية والمنافع الاخرى بحوالي 436 مليون دينار سنوياً، وكانت النتائج متوافقه الى حد ما مع التوقعات السابقه، فيما جاءت النفقات الادارية أقل من المفترض.

أما الموجودات المتراكمة (احتياطيات المؤسسة) في صندوق استثمار المؤسسة فكانت أقل مما كان متوقعاً لها بحوالي 9%، كما أن العائد الاسمي (الكلي) المتحقق من الاستثمار كان بمعدل 5.8% سنوياً، أي أن العائد على الاستثمار لم يحقق المستوى المطلوب. كما ارتفع عدد المشتركين بنسبة 12 بالمئة خلال الفترة نفسها مقابل توقع سابق بلغ 20 بالمئة، وارتفع متوسط الأجور الكلي بنسبة 11 بالمئة أي بمتوسط 2.4 بالمئة سنوياً. كما تجاوز عدد المتقاعدين الجدد لكافة أنواع الرواتب التقاعدية مع العدد المتوقع خلال هذه الفترة.

أحد أهم العوامل والمحددات في معادلات الصناديق التقاعدية هو الضغوطات الديموغرافية، حيث تشير التوقعات أن يرتفع عدد السكان من 11.5 مليون في عام 2024 إلى 17.9 مليون في عام 2070 بزيادة نسبتها 55 بالمئة، وأن يرتفع عدد السكان في سن الشيخوخة 60 عاماً فأكثر من 788 ألفاً في 2024 إلى 4.3 مليون في 2070، بالمقابل من المتوقع أيضاً أن تنخفض نسبة السكان في سن العمل إلى كبار السن من 8.8 أضعاف إلى 1.5 ضعف خلال 75 عاماً.

طبعاً وكنتيجة للتقدم في السن وبالتالي ارتفاع متوسط أعمار السكان في الاردن، سيرتفع عدد المشتركين في الضمان الاجتماعي بنحو 2.2 ضعف خلال 75 عاماً القادمه، بينما سيرتفع عدد المنتفعين الذين يتقاضون رواتب تقاعدية من الضمان بنحو 12.5 ضعف، بالتالي ستنخفض نسبة المشتركين إلى المنتفعين من 4.5 في 2024 إلى 1.6 في 2060، ما يعني أن عدد المنتفعين سيتجاوز عدد المشتركين، وهو عامل رئيسي في ارتفاع كلفة النظام التأميني خلال السنوات القادمة.

تشير الارقام أيضاً فيما يخص تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة، أنه في العام 2024 قد بلغت أموال الصندوق ما يعادل 8.8 ضعف نفقاته السنوية فيما بلغت “نسبة النفقات الاجمالية الى أجور المؤمن عليهم الاجماليه” 16 بالمئة في 2024، وسترتفع إلى 39.4 بالمئة في 2060 نتيجة استقرار عدد المشتركين مقابل استمرار ارتفاع عدد المنتفعين. لتكون نقطة التعادل الأولى 2030 حيث تتجاوز النفقات إيرادات الاشتراكات، ونقطة التعادل الثانية 2038 حيث تتجاوز النفقات الاشتراكات مضافاً إليها عوائد الاستثمار.

يجب أن لا يغيب عن تحليلنا أيضاً أحد أهم المؤشرات للتقييم وهو مؤشر”متوسط الاشتراك العام الثابت” والذي يعني معدل الاشتراكات الشهرية اللازمة لتمويل نفقات النظام التأميني خلال مدة زمنية محددة، وعند احتساب هذا المؤشر لتسعين عام قادمة فإنه من المتوقع أن يبلغ 49%، مقابل معدل حالي يبلغ 18.3 %، ما يستدعي رفع الاشتراكات أو تعديل المنافع لتحقيق الاستدامة طويلة الأمد والديمومة المالية لصناديق الشيخوخه والعجز والوفاه.

من المهم جداً النظر الى عاملين مهمين في التحليل، الاول هو الاجور وبالذات الزيادة الحقيقية فيها والتي وبحسب البيانات ستبلغ الزيادة الحقيقية السنوية في الأجر 1.2 %، لكن الزيادة الحقيقية الأقل ستؤدي إلى آثار سلبية على التطور المالي للنظام التأمين وذلك بسبب أن إيرادات الاشتراكات المنخفضة على المدى القصير سوف يكون لها أهمية أكبر من الأثر المؤجل لقيم المنافع المنخفضة على المدى الطويل. أما العامل الثاني هو معدل العائد على الاستثمار والذي على فرض انخفاضه بنقطة مئوية واحدة سيرفع مؤشرمتوسط الاشتراك العام الثابت بنحو 3 نقاط مئوية ويؤدي إلى نفاد الاحتياطي قبل ثلاث سنوات من المتوقع.

لذلك ينبغي تصويب المركز المالي للمؤسسة وأن تتضمن سيناريوهات الإصلاح في المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي النظر بموضوعية لمجموعة من النقاط، مع الإشارة إلى أهمية دور البعد الاستثماري وتحسين العوائد الاستثمارية، الذي يحتاج إلى معالجة منفصلة ومساحة خاصة في التحليل. وتشمل هذه النقاط والسيناريوهات دراسة: معاملات المنفعة المستخدمة في احتساب الرواتب التقاعدية، سن التقاعد وعدد سنوات الخدمة لاستحقاق التقاعد المبكر أحد أهم الاسباب التي أثقلت كاهن الضمان، سن استحقاق راتب تقاعد الشيخوخة الكامل، نسب الخصم للتقاعد المبكر، المدة اللازمة لاحتساب الأجر التقاعدي الكامل، معدلات احتساب تعويض الدفعة الواحدة، معادلة احتساب الرواتب التقاعدية (عدد سنوات الخدمة مضروبه بمتوسط آخر خمس سنوات من الرواتب) مضروب بمعامل المنفعة، بحيث اذا كان معدل الراتب أقل من 1500 دينار يضرب بــ2.5% وأعلى من 1500 يضرب بـــ2% . ولم نذكر رفع اشتراكات الضمان أكثر من 21.75% من الرواتب لما لها من آثارٍ سلبيه مباشرة على سوق العمل والطلب الكلي.

لا يوجد سيناريو إصلاحي يمكن أن يحظى بالاتفاق الكامل من جميع الأطراف، إلا أن الأهم هو التوصل إلى سيناريو توافقي قدر الإمكان يحفظ حقوق المشتركين والمنتفعين بأقصى عداله ممكنه ويضمن استدامة المؤسسة ماليًا. ويجب أن تنفذ هذه السيناريوهات بعد إقرارها ومناقشتها في مجلس النواب ومجلس الأعيان، حيث إن عدم تنفيذها أو الاكتفاء بإجراءات تجميلية مؤقتة ترقيعية كما في السابق سيزيد من تفاقم المشكلة التي وصلنا إليها نتيجة كل ذلك، ويجعل كلفة القرار بالغد أعلى بكثير على المنتفعين والمؤسسة من كلفة القرار اليوم!.

“الرأي”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى