"\n"
مقالات

المياه والكهرباء: علاقة استراتيجية وأمن وطني

م. عبدالفتاح الدرادكة

تُعدّ المياه والكهرباء من الركائز الأساسية التي تقوم عليها حياة المجتمعات واستقرار الدول، إذ لا يمكن الحديث عن أمنٍ حقيقي أو تنميةٍ مستدامة دون ضمان استمرارية هاتين الخدمتين الحيويتين. فالمواطن يعتمد عليهما بشكل مباشر في تفاصيل حياته اليومية، وانقطاع أحدهما – أو كليهما – يؤدي إلى اضطرابٍ كبير يمسّ أساسيات المعيشة والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

ولا يُعدّ من المبالغة القول إن جزءاً كبيراً من التحديات والصراعات العالمية المعاصرة يتمحور حول مصادر الطاقة والمياه، سواء من حيث تأمينها أو التحكم بمصادرها أو إدارة توزيعها. ومع ازدياد الطلب العالمي وتناقص الموارد الطبيعية، أصبحت هذه القضايا في صميم السياسات الاستراتيجية للدول.

تتسم العلاقة بين قطاعي المياه والكهرباء بخصوصية فريدة، إذ يرتبط كل منهما بالآخر ارتباطاً عضوياً؛ فإنتاج المياه، خاصة في الدول التي تعتمد على التحلية، يتطلب كميات كبيرة من الطاقة الكهربائية، كما أن تشغيل شبكات الضخ والنقل والتوزيع يعتمد بشكل مباشر على الكهرباء. وفي المقابل، تحتاج محطات توليد الكهرباء إلى المياه لأغراض التبريد والتشغيل.

هذا الترابط دفع العديد من الدول إلى تبني سياسات تكاملية في إدارة القطاعين، إدراكاً منها أن الفصل بينهما قد يؤدي إلى ضعف الكفاءة وارتفاع التكاليف.

في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط، برزت نماذج ناجحة لدمج قطاعي المياه والكهرباء ضمن مؤسسات واحدة، سواء على شكل وزارات أو هيئات أو شركات حكومية، وذلك لتحقيق كفاءة أعلى في الإدارة والتشغيل. ومن أبرز هذه النماذج:

* هيئة كهرباء ومياه دبي DEWA
* هيئة كهرباء ومياه وغاز الشارقة SAWS
* شركة أبوظبي للماء والكهرباء ADWEC
* هيئة الكهرباء والماء البحرينيةEWA
* وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة الكويتية
* المؤسسة العامة القطرية للكهرباء والماء(كهرماء)

ويعود السبب الرئيسي في هذا الدمج إلى الاعتماد الكبير على الكهرباء في عمليات تحلية المياه، ما يجعل من التكامل الإداري والفني خياراً عملياً وفعالاً.

في الأردن، تزداد أهمية دراسة العلاقة بين قطاعي المياه والكهرباء في ظل التوجهات الوطنية الكبرى، وعلى رأسها مشروع الناقل الوطني ، الذي يُتوقع أن يسهم بنحو 40% من احتياجات المملكة المائية، سواء للشرب أو الزراعة أو الصناعة.

ومع دخول هذا المشروع حيز التنفيذ، ستزداد الحاجة إلى الطاقة الكهربائية بشكل ملحوظ، إذ تشير التقديرات إلى أن الطاقة اللازمة لتشغيل المشروع قد تصل او تزيد على 1000 ميغاواط منها 300 ميغا واط طاقة متجددة. وإذا ما أضيف ذلك إلى استهلاك ضخ المياه الحالي، والذي يشكل ما لا يقل عن 13% من إجمالي استهلاك الكهرباء، فإن هذه النسبة قد تتجاوز 23% من الاستهلاك السنوي للطاقة الكهربائية في المملكة.

وهذا يعني أن قطاع المياه سيصبح من أكبر مستهلكي الكهرباء، متجاوزاً معظم القطاعات الأخرى باستثناء القطاع المنزلي، الأمر الذي يعزز من جدوى دراسة خيار دمج القطاعين – سواء بشكل كلي أو جزئي – لتحقيق كفاءة أعلى في التخطيط والإدارة.

كما أن مشاريع تخزين الطاقة المتجددة، مثل التخزين المائي (الهيدروليكي) للكهرباء المقترح في سد الموجب، تمثل نموذجاً إضافياً للتكامل بين المياه والطاقة، خاصة في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

إن تعزيز الربط بين المياه والكهرباء يفتح المجال لإعادة النظر في هيكلة قطاع الطاقة بشكل عام، بحيث يتم فصل قطاع الكهرباء (بما فيه الطاقات المتجددة) عن قطاع البترول والثروات المعدنية، كما هو معمول به في عدد من الدول مثل مصر والعراق وسوريا، حيث توجد وزارات مستقلة لكل من الكهرباء والبترول والتعدين.

ويُسهم هذا الفصل في إعطاء أهمية أكبر لقطاع النفط والغاز والتعدين، وتعزيز تطويره بشكل مستقل، بما يتيح بناء قدرات وطنية متخصصة واستغلال الموارد الطبيعية بكفاءة أعلى.

في ضوء ما سبق، فإن تحقيق الأمن المائي والطاقي في الأردن يتطلب رؤية متكاملة تأخذ بعين الاعتبار الترابط الوثيق بين المياه والكهرباء، وتدفع نحو:

* تعزيز التكامل المؤسسي بين القطاعين
* الاستفادة من التجارب الإقليمية الناجحة
* التوسع في الاستثمار في الطاقة المتجددة وربطها بقطاع المياه
* تطوير مشاريع التخزين الهيدروليكي للكهرباء

إن العلاقة بين المياه والكهرباء لم تعد مجرد ارتباط تقني، بل أصبحت قضية استراتيجية تمس الأمن الوطني والتنمية المستدامة. ومع التحديات المتزايدة، فإن تبني سياسات تكاملية مدروسة، والاستفادة من التجارب الناجحة، يمثلان الطريق الأمثل لضمان مستقبل آمن ومستقر في مجالي المياه والطاقة.

والله من وراء القصد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى